أخرجت “غالية” هاتفها المحمول بعد تردد كبير، واستخرجت اسمه من بين جهات الاتصال لديها، وبعد أن تأملته للحظات، ضغطت زر الاتصال لتنهي ترددها…

لحظات انتظار صعبة قضتها أثناء سماع رنين الهاتف الذي امتزج به صوت دقات قلبها المتسارعة، إلى أن أتاها صوته المرح الحنون من الطرف الآخر: “لابد أني محظوظ لأتلقى منك اتصالاً كهذا… كيف حالك يا أميرتي؟”

جاهدت “غالية” لتبتسم، قائلة: “كيف حالك أنت يا (غالي)؟”

وبمرحه المعهود أجابها: “في أحسن حال بالطبع طالما سمعت اسمي من بين شفتيكِ”.

نهرته محاولة إخفاء سعادتها وخجلها: “كفاك عبثاً، لقد كنت على وشك اليأس من أن ترد على مكالمتي لأنك استغرقت وقتاً طويلاً إلى أن رددت”.

أجابها:”في الواقع أنا الآن في عيادة الأسنان… لم أنم من الألم الليلة الماضية، فقررت الحضور اليوم لحشو الضرس الذي يكاد يُذهب عقلي وجعاً، وعند اتصالكِ كنت بغرفة الكشف بالداخل، ومن فرحتي لاتصالكِ بي، أصررت على الرد عليكِ الآن، لأني لو أجلت الأمر قد لا أستطيع الرد لاحقاً بعد جلسة العلاج والبنج وخلافه… ولذا استغرقت بعض الوقت حتى استأذن الطبيب في الخروج إلى صالة العيادة للرد على مكالمة مهمة جداً”.

ملأتها السعادة للهفته واهتمامه اللذين طالما تمنت الإحساس بهما، وتلقائيته الجميلة في التعبير عن مشاعره نحوها بصدق، ودون حتى أن يستخدم عبارات عاطفية مباشرة… لكنها شعرت أن الوقت غير مناسب لما تريد قوله، فقالت بحرج: “لن أطيل عليك إذن، وأعتذر لمقاطعة جلسة علاجك، وأتمنى لك السلامة من كل ألم يا (غالي)… سأغلق الآن”.

أجابها سريعاً: “لا لا تغلقي الخط… أي شيء ينتظر… سلمكِ الله من كل شر يا أميرة قلبي، لكني أشعر أنكِ تريدين أن تقولي شيئاً… تكلمي يا “غالية” أنا أسمعك”.

قالت بتردد: “في الحقيقة… كنت سأسألك إن كان من الممكن أن تحضر إلى مدينتي في الغد، لكن لا أظن أنه سيكون بإمكانك فعل ذلك لأنه من الصعب عليك السفر وأنت بهذه الحا…”

قاطعها، قائلاً: “أنا بخير، لا عليكِ… ما دمتِ تريدين رؤيتي، سأحضر بالتأكيد، ولا تقلقي عليّ، فالمسافة بين مدينتينا ليست كبيرة على أية حال… لكن هل أنتِ بخير؟… هل اتخذتِ قراراً في موضوع زواجنا??”.

ابتسمت بحنان: “لا تقلق عليّ يا “غالي”… أنا بخير حال والحمد لله… ولم أتخذ أي قرارات بعد.. فقط اشتقت لرؤيتك، ولقضاء بعض الوقت معك في المكان الجميل الذي ذهبنا إليه سوياً من قبل، لكني أخشى أن أرهقك أو أن تكون لديك أي ارتباطات أخرى خاصة بالعمل”.

خبط على رأسه متذكراً: “بلى … في الواقع لديّ بالفعل ارتباط عمل في الغد، لكن لا تقلقي سأعمل على إنهائه سريعاً قبل موعدنا، أو سألغيه تماماً إذا استدعى الأمر”.

حاولت الاعتراض: “لا أريد أن أتسبب في أي …”

قاطعها حاسماً: “لا تقلقي… لستِ سبباً إلا في كل ما هو جميل بالنسبة لي… سأكون موجوداً في الميعاد… أراكِ على خير”.

أنهت المحادثة: “أراكَ غداً على خير بإذن الله”.

أحياناً عندما ندرك جيداً أن قدرنا الأحزان، والفراق، والألم، يصبح أقصى أحلامنا أن نعيش ولو بعض لحظات السعادة القصيرة مع من نحب، وأن نجمح بخيالنا بعيداً لنرسم صورة جميلة لحياة تجمعنا معاً… وحتى لو كان الأمر مجرد وهم وحلم خيالي لن نلبث أن نستيقظ منه سريعاً على الواقع المر، فلا مفر من الرضا بهذا الحلم القصير، ومحاولة الاستمتاع به قدر الإمكان قبل أن يتبدد…

هكذا فكرت “غالية”، وهي تختار ملابسها بعناية للقاء حبيبها… لن تفكر في كل ما سيحدث بعد هذا اللقاء… ستستمتع فقط بكل لحظة ستقضيها معه في هذا اليوم، فقد تكون آخر مرة ستراه فيها…. ولتواجه قدرها بشجاعة بعد ذلك، وتستعد للانحناء أمام العاصفة.

وبالفعل قضت أجمل يوم في حياتها إلى جواره… فحتى لو كان زواجهما مستحيلاً عملياً لوجود عوائق لا يمكن تجاوزها، كان يكفيها أن تقابله بعد أن عرض عليها الزواج… أن تقضي معه يوماً واحداً وهما في حكم الخطيبين… سارا كثيراً، وتحدثا كثيراً في الشكل الذي يتخيلانه لحياتهما سوياً بعد الزواج، وتناولا الطعام والمشروبات سوياً.. ودفعه إحساسه بحزنها إلى إضحاكها والتسرية عنها بكل الطرق، وهو الأمر الذي طالما كان سهلاً بالنسبة له لخفة ظله الفطرية وحديثه اللطيف… ذهبا إلى مكانهما المفضل وتمنت لو يتوقف بهما الزمن في نفس اللحظة والمكان حتى يظلا سعداء معاً للأبد، دون أن يعكر صفوهما شيء.

حتى بدأت تلك المكالمات الهاتفية في التوالي على محموله، وعلمت هي أن الغيوم قد بلغت أقصى تكاثفها في منزل أسرته، وأنهم قد اكتشفوا سفره، وعلموا بوجوده معها الآن، وبالتأكيد سيعدون العدة لاستقباله كما يجب، والضغط عليه بكل الطرق حتى يتخلى عن فكرة الارتباط بها.

ولهذا، كانت تعلم جيداً أنها في حقيقة الأمر لا تملك الموافقة أو الرفض فيما يخص زواجهما، لأن هناك ظروفاً أقوى منه ومنها هي التي ستحدد ذلك، وكانت تدرك تماماً أن إصراره على التمسك بها سيكون ثمنه خسائر لا يمكنه تحملها، ولا يمكنها هي أن تتسبب له فيها، وقد حاولت كثيراً الابتعاد عنه، لكن الأمر كان أقوى منها، لذا قررت انتظار العاصفة التي ستكون الشيء الوحيد القادر على التفريق بينهما الآن…

لكن أقوى العواصف لا يمكنها اقتلاع المشاعر عميقة الجذور.. مهما بعدت المسافات، ولا يمكنها محو أجمل الذكريات التي ستظل حاضرة بداخلهما طوال العمر رغم الفراق.